فخر الدين الرازي

54

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

هذه المسألة وذكرنا عنه أجوبة شافية كافية والحمد للّه على ذلك ، ثم إن الذي يدل من جهة العقل على أن صيرورتهما مسلمين له سبحانه لا يكون إلا منه سبحانه وتعالى ما ذكرنا أن القدرة الصالحة للإسلام هل هي صالحة لتركه أم لا ؟ فإن لم تكن صالحة لتركه فتلك القدرة موجبة فخلق تلك القدرة الموجبة فيهما جعلهما مسلمين ، وإن كانت صالحة لتركه فهو باطل ومع تسليم إمكانه فالمقصود حاصل أما بطلانه فلأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصل والعدم نفي محض فيستحيل أن يكون للقدرة فيه أثر ولأنه عدم باق والباقي لا يكون متعلق القدرة فثبت بهذا أنه لا قدرة على ذلك العدم المستمر ، فإذن لا قدرة إلا على الوجود ، فالقدرة غير صالحة إلا للوجود ، وأما أن بتقدير تسليم كون القدرة صالحة للوجود والعدم فالمقصود حاصل ، فلأن تلك القدرة الصالحة لا تختص بطرف الوجود إلا لمرجح ، ويجب انتهاء المرجحات إلى فعل اللّه تعالى قطعاً للتسلسل ، وعند حصول / المرجح من اللّه تعالى يجب وقوع الفعل ، فثبت أن قوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ هو الذي يصح على قوانين الدلائل العقلية . المسألة الثانية : قوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ يفيد الحصر أي نكون مسلمين لك لا لغيرك وهذا يدل على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلماً لأحكام اللّه تعالى وقضائه وقدره ، وأن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سواه ، وهذا هو المراد من قول إبراهيم عليه السلام في موضع آخر : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 77 ] ثم هاهنا قولان : أحدهما : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ أي موحدين مخلصين لا نعبد إلا إياك . والثاني : قائمين بجميع شرائع الإسلام وهو الأوجه لعمومه . المسألة الثالثة : أما إن العبد لا يخاطب اللّه تعالى وقت الدعاء إلا بقوله : ربنا فسيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى في تفسير قوله : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] في شرائط الدعاء . أما قوله تعالى : وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ فالمعنى : واجعل من أولادنا و « من » للتبعيض وخص بعضهم لأنه تعالى أعلمهما أن في ذريتهما الظالم بقوله تعالى : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] ومن الناس من قال : أراد به العرب لأنهم من ذريتهما ، و أُمَّةً قيل هم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم بدليل قوله : وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : قد بينا أن قوله : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ كما يدل على أن في ذريته من يكون ظالما فكذلك يوجد فيهم من لا يكون ظالماً ، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوماً بتلك الآية فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى ؟ الجواب : تلك الدلالة ما كانت قاطعة ، والشفيق بسوء الظن مولع . السؤال الثاني : لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجري مجرى البخل في الدعاء ؟ والجواب : الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال اللّه تعالى : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم : 6 ] ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وتابعهم على الخيرات ، ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون إلى سداد من وراءهم . السؤال الثالث : الظاهر أن اللّه تعالى لو رد هذا الدعاء لصرح بذلك الرد فلما لم يصرح بالرد علمنا أنه